‫People of Mauritania اهل موريتانيا‬

العلامة المحدث الشيخ محمد حبيب الله بن مايابى الجكنيأورد المؤرخ الجليل محمد طاهر الكردى المكي في كتابه التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم "تاريخ البلد الأمين" ترجمة لشيخه العالم العلامة المحدث الشيخ محمد حبيب الله بن مايابى الجكني. ونحن نوردها هنا تعميما للفائدة. قال طاهر الكردي:
صورة العلامة المؤرخ محمد طاهر الكرديولد شيخنا المذكور سنة 1295هـ في بلاد شنقيط فحفظ القرآن الكريم وتعلم رسمه وتجويده وأتقن علم القراءات خصوصا قراءة نافع، ثم أقبل على مذهب الإمام مالك وغيره من العلوم والفنون، حتى صار متبحرا في كل علم وفن. واشتهر أخيرا بفن التفسير والحديث.ولقد هاجر شيخنا من بلاده مع أخيه العلامة المتبحر الشيخ محمد الخضر -الذي كان مفتيا بالمدينة المنورة- فوصلوا مراكش وفاس. فاشتغل هناك بقراءة المنطق ودرسَ علم الحديث والأصول، مع الإقبال على التأليف ما بين منظوم ومنثور.ثم حصل بينه وبين سلطان المغرب، في ذلك الوقت السلطان عبد الحفيظ، معرفة وصحبة. فطلب منه السلطان الإقامة معه ببلدة طنجة رغبة في أخذ العلم عنه فأقام بها مدة. ثم هاجر منها إلى المدينة المنورة فتوطنها. ثم إن السلطان المذكور قدم إلى الحجاز للحج سنة 1331هـ فرافقه شيخنا في حجه وزيارته، ثم سافر معه إلى القدس والخليل. ثم رجع السلطان وبقي شيخنا بعد ذلك في المدينة المنورة عدة سنين، ثم حضر إلى مكة المشرفة وأقام بها سنين عديدة يدرس بالمسجد الحرام.ثم إنه في عام 1344هـ انتقل من مكة المكرمة إلى مصر القاهرة فتعرف عليه الناس وصاروا يقصدونه من جميع الطبقات والعلماء وغير العلماء. ثم انتخب مدرسا بالأزهر الشريف بكلية أصول الدين وبمسجد سيدنا الحسين. فكان مدرسا بهما إلى أن توفي بمصر في اليوم الثامن من شهر صفر سنة 1363هـ رحمه الله رحمة واسعة.ولقد كان شيخنا المذكور معتكفا في تأليف الكتب النافعة فمن مؤلفاته ما يأتي: زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم وقد شرحه شرحا وافيا مع تخريجه للجميع الأحاديث الواردة فيه. وعدد أحاديث هذا الكتاب: 1368 حديثا متصلة الإسناد اتفق عليها البخاري ومسلم في صحيحيهما فيكون هذا الكتاب هو أصح كتاب في الحديث يوجد اليوم. وسنتكلم عن هذا الكتاب أيضا في آخر كلامنا هنا قبل الشروع في تأليفه. دليل السالك إلى موطأ الأمام مالك وهو منظوم. هداية المغيث في أمراء المؤمنين في الحديث الجواب المقنع المحرر في أخبار عيسى والمهدي المنتظر. الخلاصة النافعة العليم المؤيدة بحديث الرحمة المسلسل بالأولية. إيقاظ الأعلام لوجوب اتباع رسم المصحف الإمام. شرح منظومة الشيخ عبد العزيز الزمزمي المكي في علوم التفسير. إبراز الدر المصون عن الجوهر المكنون. السبك البديع المحكم في شرح نظم السلم. أنوار النفحات في شرح نظم الورقات. شرح منظومة خاله محمد بن أحمد في علم السيرة.إلى غير ذلك من المؤلفات النافعة.وكان أول معرفتي بشيخنا المذكور رحمه الله تعالى بعد قدومه من مكة إلى مصر القاهرة بعام واحد أي في سنة 1345هـ حصلت المعرفة بيننا. ثم قرأت عليه بعض العلوم، ثم اشتدت الألفة بيننا إلى درجة أنه اتخذني كولده. فكنت معه في البيت غالب الأوقات، ولم يكن له أولاد سوى بنت واحدة فقط في تلك الأيام لا تتجاوز السادسة من عمرها.وهنا أسوق قصة تأليفه كتابه العظيم "زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم" فإنه قبل أن يبدأ في تأليفه طلبني في بيته فقال لي: يا محمد طاهر إني نويت أن أألف كتابا في الحديث بشرط أن يتفق عليه البخاري ومسلم، فيكون أصح كتاب في الحديث. وأحب أن تساعدني في إخراج هذا الكتاب بالكتابة المراجعة. فباركت له نيته ووضعت نفسي تحت أمره وخدمته حتى أتم رحمه الله تعالى "متن كتابه المذكور" أي أتممنا جمع الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان.ثم قال لي: إني أحب أن أضع عليه شرحا موجزا مختصرا وأنت الذي تكتب لي هذا الشرح فوافقته أولا فأولا. كلما أتممنا شيئا سلمناه للمطبعة وهي "مطبعة إحياء الكتب العربية" لأصحابها عيسى البابي الحلبي وشركائه بمصر القاهرة. إلى أن تم الجزء الأول والجزء الثاني وشيئا من الجزء الثالث. ثم إني نويت الرجوع إلى مكة المشرفة فقد طالت غيبتي عنها. فقد مضى علي وأنا بمصر ثماني سنوات متتالية. فلما عزمت عزما أكيدا على السفر صعب على شيخنا فراقي، فسافرت سنة 1348هـ. وبعد سفري توسع في شرحه لكتابه المذكور حتى جعله في ستة أجزاء. وقد كان تمام تأليفه وتمام طبعه في أواخر شهر جمادى الأولى سنة 1359هـ. ويعد تمامه أرسل إلى وأنا بمكة جميع الأجزاء تامة كاملة هدية منه.فرحمه الله تعالى رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء آمين.ولقد كان رحمه الله تعالى –على فقره- سخيا كريما يقصده الناس، خصوصا أهل شنقيط، فكان بيته مفتوحا على الدوام. وكان يسعى في قضاء حوائج الغرباء وكان يحب الصالحين وأهل العلم وكان مستقيما جدا لا يترك التهجد ليلا، يمثل العلماء العاملين. وكان له الباع الطويل في الشعر، فكم من الأبحاث العلمية والفصول نظمها في قصائد فريدة، بل له مؤلفات بالنظم.هذا ومن لطائف ما وقع بيننا، وكنت موضع سره يأتمنني في جميع أموره، أنه وقع في نفسه يوما أن يتزوج مصرية على زوجته الشنقيطية التي أتت معه إلى مصر، وله منها بنت فقط. فأخبرني بما في نفسه فلم أستحسن ذلك منه، وكنت معه إذ ذاك في بيته. ثم إني بعد يومين سافرت من القاهرة إلى الإسكندرية لأقيم بها مدة طويلة. ويريد الله أن أكتب له خطابا بالبريد وكررت له أني لا أشير عليه بالزواج على زوجته التي معه، وأثنيت عليها كثيرا. وبالأمر المقدر وقع هذا الخطاب في يد زوجته واطلعت عليه وكانت قارئة كاتبة فقامت بينهما مشاجرة ومخاصمة على ذلك. وإذا بالشيخ يكتب لي جوابا مملوءا بالعتاب والغضب ويقول أنت السبب في كل ما وقع بيني وبين زوجتي.وبينما أنا أهم بالجواب والاعتذار منه وأخذ رضاه إذا بجواب يأتيني وقد وضع في داخله نقودا هدية منه إلى وإرضاء لي. ويقول: إن زوجتي عرفت بأني كتبت إليك في حالة الغضب فأمرتني أن أتحفك بهدية. ونطلب منك أن تبادر بالحضور إلينا في القاهرة في أسرع وقت لتقيم عندنا ثلاثة أيام ثم ترجع إلى الإسكندرية. فسررت من ذلك جدا وذهبت لزيارته وضحكنا مما وقع.كانت هذه الحكاية في سفري من الحجاز إلى مصر للمرة الثانية أي في سنة 1354هـ. ثم رجعت في السنة التي بعدها إلى مكة شرفها الله تعالى، وبلغني أن زوجة الشيخ توفيت رحمها الله تعالى وتركت له بنتا واحدة فقط، وأن الشيخ قد تزوج بعدها بمصرية، وبلغني أنه رزق منها بولد فقط. ثم توفي الشيخ بعد أن زوج ابنته في التاريخ الذي ذكرناه آنفا، رحمهما الله تعالى وعفا عنا وعنهما.ذكرنا هذه الحكاية عن شيخنا المذكور بيانا لفضله وللذكرى والترحم عليه، "والذكريات صدى السنين الحاكي" فإن ألذ أيام حياتنا ما قضيناه بمصر، حول الأزهر الشريف مع الطلبة الأبرار والعلماء الأخيار. فتلك أيام الخير والبركة وأيام السعد والهناء. وكان الرخص ضاربا أطنابه حول جميع البلدان. انتهى كلام طاهر الكردي