‫أحــــرار منبج‬

ليلة النصف من شعبان من الليالي المباركة التي فيها نفحات ربانية على الخليقة الإنسانية، فقد ورد من حديث معاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري، ومحمد بن أبي بكر عن أبيه، وعوف بن مالك، رضي الله تعالى عنهم، بأسانيد مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (( يطلع الله إلى خلقه في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن ))، وفي رواية عبد الله بن عمرو بن العاص: (( أو قاتل نفس ))، ومن حديث أبي ثعلبة الخُشَني رضي الله تعالى عنه: (( إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه، فيغفر للمؤمنين ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد لحقدهم حتى يدَعوه)).
والمعنى أن الله تعالى يتفضل على ذوي القلوب السليمة من عباده المسلمين المؤمنين فيتجلى عليهم بالمغفرة، وذلك من فضل الله تعالى وجوده على من تَعَرّض لنفحات ومواهب عطائه، وهو ما حث عليه المصطفى، صلى الله عليه وسلم، كما ورد من حديث علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: (( أذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقوك: ألا من مستغفر لي فأغفر له ألا مسترزق فأرزقه ألا مبتلى فأعافيه ألا كذا ألا كذا، حتى يطلع الفجر))، وهو حث على اغتنام التجلي الإلهي على العباد إن هم تعرضوا له، وهو ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، كما روت عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فخرجت أطلبه، فإذا هو بالبقيع، رافع رأسه إلى السماء، فقال: (( يا عائشة أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟)) قالت، قد قلت: وما بي ذلك، ولكني ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: (( إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب ))، وبنو كلب قبيلة من العرب اشتهرت بكثرة الغنم، وهو كناية عن سعة مغفرة الله تعالى لعباده في هذه الليلة المباركة، وما ذلك إلا لما في هذه الليلة من المزية، وهو سبحانه يفضل الأزمنة والأمكنة كما يشاء لحكمة قد لا يعلمها الناس، ولذلك كان السلف يحرصون على إحيائها بذكر الله تعالى وشكره وحسن عبادته، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول (( خمس ليالٍ لا ترد فيهن الدعاء: ليلة الجمعة، وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان، وليلتي العيدين))، وكان الشافعي، رحمه الله، يروي ذلك بلاغاً ، وما زال عمل الأمة على ذلك، فيحرصون على الخير باغتنام مواسم الفضل والرحمة، وذلك من التنافس في الطاعات التي رغّب فيها الشارع، لاسيما في هذا الشهر الذي تعرض فيه الأعمال على الله تعالى، والذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصه بكثرة الصيام، أكثر مما يصوم في غيره.